الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية

اليوم لو كنت صاحب سلطة لأعلنت تنكيس الأقلام في كل العالم
الموت.. هذا الشيء الغريب الذي يلاحق الحياة بلا كلل ولا ملل ، اليوم مات أفضل من أمسك قلما وخط بالعربية جملا وعبارات وأحداث وحدودات سرديات ...الخبر كان مؤلما مؤلما جدا لكنه حقيقي وواقعي ...نجيب محفوظ عملاق الرواية العربية مات هذا ما اذاعته الاخبار كأنها لا تعرف ما تقول ولا تقدر عواقبه على أمثالي عشاق نجيب محفوظ...
لكن هذه الاخبار لا تعرف ما تقول حقا نعم مات جسد نجيب محفوظ الفاني لكن هناك خلودا له في كتابات لا تنسى ولا تمحى فالأديب قد يكتب له الخلود في رواياته كما يكتب الخلود للأنبياء في كتبهم المقدسة ...
يذهلني في نجيب محفوظ ليس فقط قدرته الهائلة على الكتابة وجذب القارئ الى كل التفاصيل فيدخله الحارة ويجلسه على القهوة ويريه الفتوة بأم عينيه والراقصة والعسكري والشحاد واللص وحتى الكلاب ،لكن ذهولا أكبر أصابني عندما أعدت قراءة نجيب محفوظ بمساعدة ذلك الناقد الفذ الذي يكاد لا يدانيه احد في ذكائه وعلمه اي على يد جورج طرابيشي ،فهناك يصبح لنص نجيب محفوظ سطحا وعمقا وتأويلا وبعد أن اغتنى بكل جمال العربية وعذوبتها وسلاستها يغتني بأفكار كبيرة ورؤى عظيمة فمن المصالحة بين الدين والعلم في أولاد حارتنا وسرد تاريخ الصراع بين الخير والشر في الحرافيش وكل ما تحمله الثلاثية من تاريخ ورصد للحراك الاجتماعي الى مقدمات المذهب الانساني في حارة العشاق والبحث عن الله في زعبلاوي والأب المفقود في الطريق الى مزيج الإيمان بالأخرة مع الايمان بالدنيا "الحل المفقود" عند عمر حمزاوي في الشحاد الى نقد العبثية في ثرثرة فوق النيل والتحليل النفسي في السراب الى الصراع السياسي الثقافي في ميرامار ........الى قائمة موسوعية لا تنتهي ..
أعرف ان كثيرين ينظرون بشكل مختلف الى محفوظ وأعماله وقد يهاجمونه أيضا -نعم أخطأ نجيب محفوظ حتما في بعض الامور فهو ليس مقدسا ولا ملاكا لا يخطأ - لكني أعرف حتما أن الذين يهاجمونه مخطئون ...
نعم لقد كان فيلسوف هذا العصر العربي بامتياز وبالوكالة كما يضيف طرابيشي ،فهو فيلسوف عصرنا ولكن من خلال الادب والفيلسوف هو البديل عندما يغيب النبي ....
واختم بما ختم به نجيب محفوظ روايته "عصر الحب" :
يقول الراوي:
إن الست عين لم تمت ...رغم أن اللذين عاصروا وفاتها لم يعرفوها أو كذلك كانت أغلبيتهم ما عرفوا إلا ما يتناقله الرواة ، ولكن الست عين لم تمت ...وحتى اليوم يطلق الناس على المستشفى الذي قام مكان دارها ..."مستشفى الست عين
"
سيطيب الجو وتشرق الأرض بنور ربها فأرعوا العصافير بالرحمة ..

